فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
وسائر الملائكة أعوانه . القول الثاني : * ( توفاهم الملائكة ) * يعني يحشرونهم إلى النار ، وهو قول الحسن . المسألة الثالثة : في خبر ( إن ) وجوه : الأول : أنه هو قوله : قالوا لهم فيم كنتم ، فحذف " لهم " لدلالة الكلام عليه . الثاني : أن الخبر هو قوله : * ( فأولئك مأواهم جهنم ) * فيكون ( قالوا لهم ) في موضع * ( ظالمي أنفسهم ) * ، لأنه نكرة . الثالث : أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، ثم فسّر الهلاك بقوله : * ( قالوا فيم كنتم ) * أما قوله تعالى : * ( ظالمي أنفسهم ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( ظالمي أنفسهم ) * في محل النصب على الحال ، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم ، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة ، لأن المعنى على الانفصال ، كأنه قيل ظالمين أنفسهم ، لا أنهم حذفوا النون طلباً للخفة ، واسم الفاعل سواء أُريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولاً في المعنى وإن كان موصولاً في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : * ( هذا عارض ممطرنا ) * ( الأحقاف : 24 ) * ( هدياً بالغ الكعبة ) * ( المائدة : 95 ) * ( ثاني عطفه ) * ( الحج : 9 ) فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية . المسألة الثانية : الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) وقد يراد به المعصية * ( فمنهم ظالم لنفسه ) * ( فاطر : 32 ) وفي المراد بالظلم في هذه قولان : الأول : أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام . الثاني : أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفاً ، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة ، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة . وأما قوله تعالى : * ( قالوا فيم كنتم ) * ففيه وجوه : أحدها : فيم كنتم من أمر دينكم . وثانيها : فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه . وثالثها : لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار ؟ ثم قال تعالى : * ( قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) * جواباً عن قولهم * ( فيم كنتم ) * وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء . وجوابه : أن معنى * ( فيم كنتم ) * التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كما مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به ، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا : * ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) * أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون